محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
300
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
المحبة تقتضي من المحبّ بذل كلياته وجزئياته في مرضاة محبوبه من غير طلب حظّ يناله منه ؛ فهذا ممّا يلزم وجود المحبة ، كما قيل : إنّ المحبّ إذا أحبّ حبيبه * تلقاه يبذل فيه مالا يبذل بل يرى ما فعل من ذلك غاية الحظّ . وموافقة رضا محبوبه نهاية السعادة والبخت ، كما قال أبو حفص عمر بن الفارض « 1 » ، رحمه اللّه تعالى : مالي سوى روحي ، وباذل روحه * في حبّ من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتني * يا خيبة المسعى إذا لم تسعف ولذلك قيل : المحبة : الإيثار ، وهو أن لا يدع لمحبوبه ميسورا إلا بذله ، ولا ممكنا إلا استعمله ، ولا يبقى لنفسه ولا لحظّه نفسا ولا سمة ، ولا يستثنى من كل ما بذله له سمسمة ، وأنشدوا : لئن بقيت في العين منّي قطرة * فإني إذن في العاشقين ذليل وقال أبو عبد اللّه القرشي ، رضي اللّه تعالى عنه : « حقيقة المحبّة أن تهب كلّك لمن أحببته حتى لا يبقى لك منك شيء » . وقال أبو يعقوب السوسي ، رضي اللّه تعالى عنه : « حقيقة المحبّة أن ينسى العبد حظّه من اللّه تعالى وينسى حوائجه إليه » . وقيل لبعض المحبّين ، وكان قد بلغ المجهود في بذل ماله ونفسه حتى لم يبق منه بقية : ما كان سبب حالك هذه في المحبة ؟ فقال : كلمة سمعتها من خلق لخلق عملت فيّ هذا البلاء ! ! قيل : وما هي ؟ قال : سمعت محبّا خلا بمحبوبه وهو يقول : أنا واللّه أحبّك بقلبي كله وأنت تعرض عنّي بوجهك كله ! ! فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأيّ شيء تنفق عليّ ؟ فقال : يا سيدي ، أملّكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك ، فقلت : هذا خلق لخلق ، وعبد لعبد ، فكيف بخلق لخالق ، وعبد لمعبود ؟ فكان هذا سببه ، فهذا الذي ذكرناه من لوازم المحبّة الحقيقية . وأما رجاء العوض وطلب الغرض ، فهذا حال من مقامه الرجاء ، وليس من مقام
--> ( 1 ) عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل ، المصري المولد والدار والوفاة ( 576 - 32 ه - 1181 - 1235 م ) أبو حفص وأبو القاسم شرف الدين بن الفارض ، أشعر المتصوفين يلقب بسلطان العاشقين ، في شعره فلسفة تتصل بما يسمى « وحدة الوجود » . ( الأعلام 5 / 55 ، وشذرات الذهب 5 / 149 - 153 ) .